الخرطوم 1/7 / سونا / بعد 45 عاما من عقد القمة الثانية لحركة دول عدم الانحياز بالقاهرة عام 1964 يفتتح الرئيس المصري محمد حسني مبارك في الخامس عشر من يوليو الجاري في شرم الشيخ فعاليات القمة الخامسة عشر للحركة وذلك بمشاركة ما يزيد من مائة رئيس دولة. ان مؤتمر باندونج 18-24 ابريل من العام 1955 يعتبر النواة الاولى التي تفتحت بعدها فكرة عدم الانحياز ،
وقد جاء وقتها تحت مسمى (حركة التضامن الآسيوي الأفريقي ) وقد قاد وفد السودان الى باندونج الرئيس الراحل إسماعيل الازهري ضمن 29 دولة منها 23 دولة آسيوية و 6 دول افريقية ، وتعتبر الهند الصين واندونسيا اول طليعة مهدت الطريق لاجتماع باندونج ، ومن بعد توالت الشخصيات المؤثرة في آسيا وافريقيا وغيرها من بقاع العالم ، فإن احد لا يستطيع ان يتجاهل جمال عبد الناصر ، ونكروما وآخرين
اما اول مؤتمر لرؤساء دول عدم الانحياز فقد انعقد في بلغراد عام 1961 بمشاركة 23 دولة آسيوية وإفريقية اضافة الى كل من كوبا ويوغسلافيا فقد كان الرئيسان الكوبي فيديل كاسترو واليوغسلافي جوزيف بروز تيتو نجمان احمران في سماء السياسة العالمية
اما مصطلح (عدم الانحياز) فقد تم الإعلان عنه في 28ابريل 1954 بواسطة الزعيم الهندس جواهر لال نهرو ويؤكد مبدأ عدم الانحياز على احترام الدول التي كانت ترفض الالتحاق بالمعاهدات السياسية والاحلاف العسكرية وتخطو خطوات ثابتة لحفظ السلام اذ ان سياسة عدم الانحياز هي انعكاس لواقع الجغرافيا الاقتصادية والسياسية والايديولوية للهند ، كما تقف وراء هذا الاختيار عوامل تاريخية وقومية ودينية اذ تعود تعاليم المسالمة عند الهنود الى عصر الامبراطور (اشوكا) الذي اصدر امره المعروف (الامر 13) عام 270 قبل الميلاد ، وكان لاصول الدين الهندوسي وتعاليم حركة التحرر الوطنية للهند التي تمنع أي استعمال للعنف تأثير في ذلك الاختيار
معلوم ان منظمة دول عدم الانحياز ظهرت ايام الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة كتجمع يضم الدول التي خارج منظومتي حلف وارسو والناتو وبانتهاء الحرب الباردة وانتفاء اسباب المجموعة يبقى السؤال عما اذا كانت هذه الحركة قد تحولت الى مجرد جمعية خيرية بعد ان انهارت القطبية الكونية الثنائية والتي بسببها تأسست هذه المنظمة عام 1955 وما هي الرسالة التي تريد ان تبلغها قمة شرم الشيخ لمواطني دول هذه الحركة ؟ ان اهم النتائج للحرب العالمية الثانية هي بروز الدولة المستقلة والحرب الباردة بين امريكا والاتحاد السوفيتي ، ويمكن تلخيص غايات الدولة المستقلة ليس فقط في تجنب الانخراط في العضوية ضمن أي من القطبين ، بل من اجل رفض تدخل أي منهما في الشئون الداخلية للدولة المستقلة اما المبادئ الاساسية لحركة عدم الانحياز يمكن تلخيضها في نقاط تشمل الاحترام المتبادل لوحدة اراضي كل بلد عضو ، عدم العنف ، عدم التدخل في الشئون الداخلية ، المساواة والمصالح المتبادلة والتعايش السلمي
ان من بين اسس الحركة تجاوزها للشرط الايديولوجي المشترك كاساس للانضمام اليها حيث تم استبدال ذلك بمبادئ قد استخلص اغلبها من مضامين حركات التحرر في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتنينة وقد تم ابراز ذلك في الاهداف المسطرة في برنامجها مثل منح الاستقلال للدول المستعمرة وإقامة نظام اقتصادي دولي عادل ، وإلغاء اسباب الحروب وخاصة الغاء الاسلحة النووية وتدعيم حقوق الانسان والتنديد بجميع اشكال التميز العنصري ، وحماية البيئة والقضاء على الامبريالية والاستعمار الجديد والتعايش السلمي وفض النزاعات الدولية بشكل اخوي وتقوية دور وفاعلية منظمة الامم المتحدة ، ولكن المعطيات تؤكد بما ليس فيه مجال للشك بان النظام الاقتصادي الدولي الذي وعدت به حركة عدم الانحياز منذ عام1955 لم تتحقق اذ لا يزال الاقتصاد الرأسمالي هو السائد والمسيطر ، فالهوة بين دول الشمال ودول الجنوب تزذاد اتساعا فالعملات الوطنية لدول عدم الانحياز بكاملها لسيت صعبة ، بل مرتبطة باقتصاديات هشة يقهرها عجز في الميزانية متضخم مستمر ، وفضلا عن ذلك فان مستوى المعيشة صارمتدنيا بالمقارنة مع مستويات المعيشة في الدول الرأسمالية الغربية ونجد أنه حتى الآن لا يوجد برنامج نظري وعملي مقدم من قبل تشكيلة عدم الانحياز للتخفيف على الاقل من اخطار النظام الاقتصادي الراهن والذي هو نظام رأسمالي غربي الفلسفة والآليات والبنيات والأهداف الثقافية
والواقع يقول ان الذي يحدث الآن ليس القضاء على الامبريالية والاستعمار والاستعمار الجديد ، بل توطين الثقافة الرأسمالية وبرامج الاستعمار الجديد من خلال قبول اقتصاد السوق وأوامر البنك الدولي في ميدان إعادة هيكلة الاقتصاديات الوطنية في بلدان العالم الثالث بما يخدم القيم الرأسمالية
والواقع يقول ايضا ان حركة عدم الانحياز لم تحقق القضاء علي الاسلحة النووية بل ان عددا معتبرا من الدول التي انضمت الي النادي النووي خلال العقود الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين مثل الهند وباكستان وهي دول عضوة في نسيج الحركة الهيكيلي والتكويني
ولكن دول عدم الانحياز اكتسبت دفعا جديدا ناتجا عن ان كل دول الحركة من الدول النامية والعالم الثالثة وتتقاطع مصالحها مع دول العالم الاول التي تسيطر علي منظمة الامم المتحدة ، ومما زاد من أهمية الحركة الشعور بعدم عدالة الامم المتحدة التي تعطي خمس دول - كلها من العالم الاول - حق تقرير مصير بقية الدول والرفض القاطع لتحسين نظام الامم المتحدة بإلغاء حق النقض (الفيتو)
ان قمة عدم الانحياز رقم 15 لها ما يميزها من حيث الرمزية والمضمون ومكان الانعقاد ، واختيار الرئيس المصري محمد حسني مبارك رئيسا للدرورة القادمة يعطي رمزية الوقوف ضد سيدة العالم الولايات المتحدة الامريكية وربيبتها اسرائيل ، أما المضمون فتحمله اجندة القمة التي تشكل في معظمها وقوفا ضد سياسات الولايات المتحدة ابتداءا بالشرق الاوسط وتلك قضية اخرى





