23أكتوبر2014

مبادرة حوض النيل: عشر سنوات من المفاوضات دون التوصل لرؤية مشتركة

  • PDF

Nile Sudanكاتب التقرير :إشراقة عباس

 يمتلك حمزة أحمد عبد القادر، مركبا شراعيا كبيرا مصنوعا من خشب السنط ، ورثه عن أسلافه حيث يعمل

صيادا على النيل الأبيض . و يقول إنه لا يمكنه تخيل اليوم الذي لا يستطيع فيه هو وأفراد عائلته الكبيرة، الاعتماد على النيل كمورد لرزقهم حيث أرتبط به وأسلافه منذ آلاف السنين كمزارعين وصيادين.

 

ويقيم حمزة وافراد عائلته حاليا في منطقة الشقيلاب جنوب الخرطوم بالقرب من خزان جبل أولياء جنوب الخرطوم، حيث توفر لهم بحيرة السد فرصا أفضل لصيد السمك كما يعتمدون على الزراعة صيفا وشتاء.

و يضيف بالتعبير السوداني البسيط أن عدم اعتمادهم على النيل يعني " أن قيامتهم قد قامت" وهو يقصد بذلك أن حياتهم قد صارت بدون جدوى وأنهم سيواجهون أوقاتا عصيبة، وأن مفارقتهم الحياة افضل لهم .

ومثله المزارع عبد الغني عبد الطيف، الذي يعتمد على النيل في الزراعة في قريته الصغيرة الواقعة على الضفة الشرقية للنيل شمال مدينة دنقلا بالولاية Nile Boat Sudan الشمالية ، وتدر عليه حرفته دخلا طيبا ووفيرا.
لكنه يشكو من ارتفاع تكلفة الوقود المستخدم في تشغيل طلمبات رفع وسحب المياه من النيل لري محاصيله، ويقول إن الجازولين الذي يشتريه يكلفه 50% من أجمالي تمويله للزراعة.

مبادرة حوض النيل:
ويمثل كل من حمزة وعبد الغني نموذجين لمواطنين سودانيين يرتبطان ارتباطا وثيقا بنهر النيل وموارده المائية - إذ يشكل ايراد النيل 15 مليار متر مكعب من مجموع الموارد المائية في السودان والتي تبلغ حوالي 30.8 مليار - وبالتالي ما يشكله من تهديدات للمصالح، أو يوفره من فرص، ضمن اطار التعاون و الصراع على موارده بين الدول المتشاطئة لحوضه، الذي تتشاركه عشرة دول ،وهو الصراع الذي ما فتئ ينشب كل هنيهة وأخرى بين دوله خاصة الشرقي منها، ويعصف بالخطوات الجادة والإجراءات التي تتخذها من أجل تكريس التعاون والتنمية البينية مع بعضهم البعض عبر مبادرة حوض النيل.

وتشكل مبادرة حوض النيل آخر اتفاقيات التعاون المشترك بين دول حوض النيل التسع التى تتشارك فى اقتسام مياه النيل وقد بدأ التفاوض والحوار حولها فى فبراير من العام 1997 وتواصل حتى مارس 1998 لتنطلق المبادرة فى فبراير العام 1999 . وتهدف الى (الوصول الى تنمية إجتماعية وأقتصادية مستدامة عن طريق الاستخدام العادل والمنصف (والمنفعة المشتركة من موارد المياه بحوض النيل ).

إذا ما كان السودانيون يتندرون سياسيا ويقولون إن شيطان الخلافات في التفاصيل فلعله كذلك في مبادرة حوض النيل ، فقد وافق وزراء الموارد المائية بدول الحوض خلال اجتماعاتهم المتعددة السابقة والتى أستمرت زهاء العقد من الزمان وبمساعدة من الامم المتحدة والبنك الدولى ، على أغلب القضايا والمسائل الخلافية ضمن هذا الاطار الجديد (الاطار المؤسسى والقانونى لمبادرة حوض النيل) خاصة المتعلقة باستخدام الموارد المائية المتاحة بالحوض لصالح جميع الدول مع التأكيد على الاستخدامات الحالية، إلا أن المجلس الوزارى لدول الحوض، في إجتماعه بكنشاسا العام 2008 - باستثناء مصر وغياب السودان - قرر تأسيس مفوضية حوض النيل لتعمل على الفراغ من المسودة المتعلقة بالمواد المختلف عليها واقترح لجنة مراقبين دولية تهدف الى النظر فيها وذلك بعد أن فشل المجلس في حل خلافاته المتجذرة حول الامن المائي.

وتبع ذلك التوقيع على اتفاقية التعاون الإطاري دون التوصل لحل المشاكل العالقة.

وشكلت هذه الخطوة تطورا غير متوقع ضمن إطار مفاوضات دول حوض النيل .و قد حذر وزير الري السابق د. كمال علي محمد، من اتحاذ خطوات متعجلة من شانها أن تؤدي الى آثار سالبة في التعاون والتقارب الذي استطاعت دول الحوض أن تحققه فى السنوات العشر الماضية.

وهددت مصر مؤخرا بالانسحاب من المبادرة حال إصرار دول المنبع على توقيع إتفاق التعاون الاطاري الجديد وإنشاء مفوضية عليا لمياه النيل دون موافقة ومشاركة مصر والسودان. وأكدت أنه حال إنشاء هذه المفوضية أو عقد إتفاق لا يضم البلدين فأن ذلك يعني توقف المشروعات المشتركة المزمع تنفيذها ضمن مبادرة حوض النيل.

وحوض النيل مسمى يطلق على 9 دول إفريقية يمر فيها نهر النيل؛ سواء تلك التي يجري مساره مخترقا أراضيها، أو تلك التي يوجد علي أراضيها منابع نهر النيل، أو تلك التي يجري عبر أراضيها الأنهار المغذية لنهر النيل. ويغطي حوض النيل مساحة 3.4 مليون كم² من المنبع في بحيرة فكتوريا وحتي المصب في البحر المتوسط.

جوهر الخلاف:
ويتمحور جوهر الخلاف بين دول الحوض حول المادة 14 ب التي تتعلق بالامن المائي والمادة 34ا و34ب حول توافق نصوص الاتفاقية مع بعضها البعض والمادة 8 حول معاييير وسياسات البنك الدولى وعلاقتها بالاتفاقية. ويرى كل من السودان ومصر أنه لا بد من حسم وتوضيح هذه المسائل أولا قبل الفراغ من مسودة الاتفاقية الجديدة.

وقال وكيل وزارة الري الأسبق ، الخبير الوطني في مجال المياه د. محمد بحر الدين، إن تعامل السودان مع قضايا المياه والتنمية مرتبط بالاتفاقيات الموجودة والموقعة مع جهات مختلفة واصفا إياها " بالمهمة لأنها لا تقنن أو تؤسس للتعاون في مجال المياه فقط بل تشمل العديد من الجوانب السياسية والاقتصادية الأخرى " المهمة بالنسبة للسودان ولدول الإقليم بصورة عامة. وذكر أن الدول التي سارعت إلى التوقيع على الاتفاقية أستعجلت الأمر. واضاف " لولا الاستعجال الذي حدث لكان تم التوصل إلى إتفاق حول نقاط الخلاف ".

وقال د. احمد المفتي المستشار القانوني للسودان لدى مبادرة دول حوض النيل إن الموقف الرسمي للحكومة السودانية هو عدم التوقيع على الاتفاقية ، إلا في حال توصل دول الحوض التسع إلى حلول للقضايا المختلف عليها قائلا إن رأي السودان هو أن تصدر جميع دول حوض النيل بيانا رئاسيا لإعلان إنشاء مفوضية حوض نهر النيل مع الاستمرار في التفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق شامل حول نقاط الخلاف المتبقية.

وذكر أن انتهاء فترة التوقيع على الاتفاقية لا يعني دخولها حيز التنفيذ حيث يعقب هذه الاتفاقيات إجراءات طويلة ومعقدة مؤكدا " أن نفاذها لا يزيد أو ينقص في حقوق السودان في حوض النيل أو اتفاقية مياه النيل" أو إن السودان (سيكون آسفا) في حال دخولها حيز النفاذ ، لأن الهدف منها بدءا ، هو الإدارة المشتركة لدول حوض النيل من قبل جميع الحكومات والشعوب المتشاطئة للنيل ، من أجل النفع المشترك منه.

خطورة مشروعات الرى:
وعن هذا الصراع على مياه النيل وتأثيره على السودان يقول د. صلاح الدين يوسف، وزير الدولة بوزارة الري والموارد المائية، والعضو السابق في اللجنة الاستشارية الفنية لمبادرة حوض النيل، يقول : نعم النيل مهم للسودان . بل هو أحد أهم الموارد السطحية التي تمكنه من الري الدائم بعكس الزراعة المطرية التي تتأثر بتذبذب هطول الأمطار.

لذلك يتأثر بمشروعات الري التي قد تنشئها دول الحوض في أعالي النيل و تستهلك مياه النيل، مما قد يسبب التنافس على الكمية المحدودة من إيراد النيل. إما إذا كانت المشروعات للتوليد الكهربائي فان ذلكم شأنه أن يفيد السودان إذ ينظم جريان النهر و تستفيد الدول في أعالي النيل من الطاقة و يتواصل إيراد النيل إلي السودان و يستفيد من تنظيم سريان النيل في إنتاج مزيد من الطاقة أو الري و ذلك بمثابة خزانات في دول أخرى و لكن يستفيد منها السودان.

وحول اتفاقية المياه بين مصر والسودان يقول ان هذه الاتفاقية قسمت المياه بين السودان و مصر، فهي بالتالي تؤثر كثيرا على السودان " فحتما هذه القسمة لها أثر فلو تركت للسودان وحده لما كفته ري الأراضي الواسعة التي يمتلكها". إذ يعاني السودان من مشكلة مياه، فهو كأي بلد في حزام الصحراء يحتاج للمياه لري أراضيه الواسعة على الرغم من توفر موارد مائية أخرى كالأمطار (400 مليار بالشمال) و مياه جوفية علاوة على الوديان و الخيران الغير نيلية.

و يمكن أن ينتج السودان حاجته للكهرباء، مائيا عبر السدود التي يجرى تنفيذها على النيل أو حراريا بالمحطات التي يتم إنشاؤها أو بالربط الكهربائي مع دول حوض النيل، حتى يستطيع أن يوفر الطاقة اللازمة لسكانه واقتصاده وهي حاجة تتزايد من عام لعام كما يزيد احتياج الناس للغذاء. " ولكن التوليد المائي عادة محدود فان بدا كافيا اليوم فمع مرور الزمن سوف يصبح جزء يسيرا من التوليد الكلي ".

التعاون هو الحل:
ويؤكد د. صلاح الدين يوسف أن دول حوض النيل تملك الإمكانية لتحقيق تعاون بناء وإيجابي في الاستفادة من النيل. و" قد تم ذلك بالفعل على مدى العشرة أعوام السابقة عبر مبادرة حوض النيل حيث أنجزت تعاونا غير مسبوق دوليا و لكن ظروفا سياسية و مواقف هنا و هناك أحدثت هذا الشرخ الذي تعيشه دول حوض النيل و الحوار جاري لاحتواء ذلك الموقف و الرجوع الي التعاون عبر المبادرة فقد أثبت الاختلاف بين دول الحوض أن ليس هنالك كاسب أو منتصر إلا التعاون ".

ويحدد د. صلاح جوهر المشكلة الحقيقى فيما يتعلق بمياه النيل بين دول حوضه تتعلق بالتنافس و إقصاء الآخر بدلا من التعاون و استيعاب الكل. فمياه النيل محدودة وحاجة الدول لها متفاوتة تاريخيا و جغرافياً فمصر بطبيعتها الصحراوية سبقت واعتمدت على الري من النيل ثم تلاها السودان باعتماده الأصلي على الأمطار ولكن دخلته مشروعات الري الكبرى خلال القرن الماضي. و بتغير الظروف المناخية و زيادة السكان طرأت احتياجات لبقية دول حوض النيل وأخذت تبحث عن كيفية تلبية حاجتها، ومن الطبيعي أن تفكر في النيل كمورد مائي. ثم هنالك التنافس السياسي و إقحام مياه النيل في السياسة الدولية للهيمنة على الدول النامية.

لذلك فمعاداة دول حوض النيل بعضها بعضا، يأتي جزءاً منها لحاجتها للتنمية ، أو للأطماع الدولية و إقحام مياه النيل في أجندة الهيمنة العالمية على الموارد و تبعية هذه الدول للقوى العالمية ثم التباين الجغرافي بين دول الحوض و تفاوت اعتمادها على مياه النيل كمصدر للمياه.

مبادرة خير:
ويصف مبادرة حوض النيل بان (حصادها كله ثمر طيب ووفقا لرأيى لا أرى فيها شيئا مرا) أي سيئا، وأنها مبادرة محورها الانسان وأن أحد أهم نتائجها الشراكة الجيدة و الحوار بين دول حوض النيل وتوفر الثقة بينهم بعد عقود من الجفاء والمشاحنات قائلا : "هناك فهم مشترك للمبادرة بين كل المسئولين والمختصين فى دول الحوض والجميع راضون بها ، وعلينا أن نتفق أولا على حل خلافاتنا".

وتأكيدا لهذا الراى يقول د. محمد بحر الدين إن استمرار العمل ضمن إطار مبادرة حوض النيل من شأنه أن يفيد كل دول الحوض بدون استثناء حيث إن الخلافات المتبقية بين دول الحوض قليلة حيث تمكنت دوله من حل أكثر من 99% منها وأضاف " حتى هذه الخلافات المتبقية قد وضع لها حل مؤقت وهو أن تعمل مفوضية حوض النيل على محاولة الوصول إلى حل لها لحين قيام الإطار القانوني المؤسسي الجديد ".

ويشاركهما الرأي الخبير الدولي في مجال المياه د .سلمان محمد أحمد الذي قال ان الاعتراف بحقوق الجميع هو بداية التعاون الحقيقى " إنّ الخلافات الحادة بين دول حوض النيل، والتى تزداد حدّةً كل يوم، لن تُحلَّ سوى بالتعاون، والتعاون بحسن نيّة بين جميع دول الحوض. ونقطة البداية لهذ التعاون هى الإعتراف بحقوق الكل والإنطلاق من هناك إلى موازنة الإستعمالات القائمة لمصر والسودان بالإحتياجات المشروعة والمعقولة للدول المشاطئة الأخرى (وهي إحتياجاتٌ محدودة وقد إعترفت بها مصر والسودان نفسيهما في إتفاقية مياه النيل لعام 1959).

الخرطوم في 20/12/2011 ( سونا )