الاسراء والمعراج دلالات ومعانى

كاتب التقرير :على محمد احمد

احتفالات المسلمين بالإسراء والمعراج

يولي المسلمون عامة والصوفية على وجه الخصوص ذكرى الإسراء والمعراج اهتماماً كبيراً ويحتفلون بها احتفالاً خاصاً لما لهذه المناسبة العظيمة من قدر، فيستلهمون منها العظات والدروس ويستذكرون سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويقرءون قصة الإسراء والمعراج والتي صاغها مشايخ المتصوفة في نظم جميل ولغة رائعة سلسة تجعل كل من يستمع إليها يستوعبها في سهولة ويسر ويطوف معها بخياله كأنه يشاهدها في فيلم سينمائي أمامه، وكثير من الصوفية يتخذون هذه المناسبة العظيمة موسماً للدعوة والاحتفالات الضخمة .
وقد قال بعضهم: ( الداير يشوف العجب يجينا في رجب ) كما تقدم في هذه الاحتفالات المحاضرات العلمية التي تتناول هذا الحدث العظيم ولطائفه وإشاراته ورقائقه والمغزى من هذه الرحلة العجيبة التي سارها النبي صلى الله عليه وسلم وقابل فيها الانبياء والرسل وأمهم في صلاة جماعية، ثم قابل فيها المولى عز وجل في مقام المشاهدة حيث بلغ به مقاماً لم يبلغه غيره، ففرض الله عليه وعلى أمته خمسين صلاة خففت إلى خمس بأجر الخمسين، ورأى فيها النبي صلى الله عليه جميع أحوال أمته، فكانت هذه الرحلة خير تسرية له بعد ما لاقاه من عنت ومشقة وعداء من المشركين .
ويقول رب العزة سبحانه وتعالى: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ )
فقد شاء الله تعالى الذي لا راد لمشيئته سبحانه القادر الذي لا يعجزه شئ أن يمن على حبيبه المصطفى عليه الصلاة والسلام برحلة مباركة طيبة هي الإسراء والمعراج ، والإسراء هو رحلة أرضية تمت بقدرة الله عز وجل لسيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام من مكة إلى بيت المقدس . والمعراج رحلة سماوية تمت بقدرة الله عز وجل لسيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام من بيت المقدس إلى السماوات العلى ثم إلى سدرة المنتهى ثم اللقاء بجبار السماوات والأرض سبحانه وتعالي .
وفى تفاصيل قصة الاسراء عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أُتيت بالبراق - وهو دابة - أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه ، قال : فركبته حتى أتيت بيت المقدس قال: فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت . فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن ، فقال جبريل عليه السلام: اخترت الفطرة ، ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل: من أنت ؟ قال: جبريل ، قيل: ومن معك ؟ قال: محمد ، قيل: أوقد بعث إليه ؟ قال: قد بعث إليه ، ففتح لنا ، فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير . ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل: من أنت ؟ قال: جبريل ، قيل: ومن معك ؟ قال: محمد ، قيل: وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه ، ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما فرحبا ودعوا لي بخير . ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل: من أنت ؟ قال: جبريل ، قيل: ومن معك ؟ قال: محمد ، قيل: وقد بعث إليه ؟
قال : قد بعث إليه ، ففتح لنا فإذا أنا بيوسف عليه السلام إذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب ودعا لي بخير . ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل عليه السلام ، قيل: من هذا ؟ قال: جبريل ،قيل: ومن معك ؟ قال: محمد ، قيل: وقد بعث إليه ؟
قال : قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب ودعا لي بخير ، قال الله عز وجل: ورفعناه مكانًا عليًا . ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل عليه السلام قيل: من هذا ؟ قال: جبريل . قيل: ومن معك ؟ قال: محمد . قيل: وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بهارون عليه السلام فرحب ودعا لي بخير . ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل عليه السلام قيل: من هذا ؟ قال: جبريل . قيل: ومن معك ؟ قال: محمد . قيل: وقد بعث إليه ؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بموسى عليه السلام فرحب ودعا لي بخير . ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل عليه السلام فقيل: من هذا ؟ قال: جبريل ، قيل: ومن معك ؟ قال: محمد ، قيل: وقد بعث إليه ؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام مسندُا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال ، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها . فأوحى الله إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة ، فنزلت إلى موسى عليه السلام فقال: ما فرض ربك على أمتك ؟ قلت: خمسين صلاة . قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ؛ فإن أمتك لا يطيقون ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم . قال: فرجعت إلى ربي . فقلت: يا رب خفف على أمتي ، فحط َّعني خمسًا فرجعت إلى موسى . فقلت: حط عني خمسًا . قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى عليه السلام حتى . قال: يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرًا ، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئًا فإن عملها كتبت سيئة واحدة . قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى عليه السلام فأخبرته . فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحيت منه - رواه مسلم .
عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه و سلم مر على قوم يزرعون ويحصدون في يوم كلما حصدوا عاد كما كان فقال لجبريل عليه السلام: ما هذا ؟
قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة إلى سبعمائة ضعف وما أنفقوا من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين . ثم أتى على قوم ترضخ روؤسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شئ فقال: ما هذا يا جبريل ؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل روؤسهم عن الصلاة المكتوبة . ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع يسرحون كما تسرح الأنعام يأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم فقال: ما هؤلاء ؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون زكاة أموالهم وما ظلمهم الله وما ربك بظلام للعبيد . ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر ولحم نئ في قدر خبيث فجعلوا يأكلون من النئ الخبيث ويدعون النضيج فقال : ما هؤلاء يا جبريل ؟ قال جبريل: هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح ،والمرأة تقوم من عند زوجها حلالاً طيبًا فتأتي رجلاً خبيثًا فتبيت عنده حتى تصبح . ثم أتى على رجل قد جمع حزمة حطب عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها فقال: ما هذا يا جبريل ؟ قال: هذا الرجل من أمتك تكون عليه أمانات الناس لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يحمل عليها . ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاهم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شئ قال: ما هذا يا جبريل ؟ قال: هؤلاء خطباء الفتنة . ثم أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع فقال: ما هذا يا جبريل ؟ قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها . ثم أتى على واد ٍ فوجد فيه ريحًا طيبة باردة وريح مسك وسمع صوتًا فقال: ما هذا يا جبريل ؟ قال: هذا صوت الجنة تقول: رب آتيني بما وعدتني فقد كثرت غرفي وإستبرقي وحريري وسندسي وعبقريي ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي ومراكبي وعسلي ومائي ولبني وخمري فآتيني بما وعدتني . قال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحًا ولم يشرك بي شيئًا ولم يتخذ من دوني أندادًا ، ومن خشيني فهو آمن ومن سألني فقد أعطيته ومن أقرضني جازيته ومن توكل علي كفيته ، إنني أنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد قد أفلح المؤمنون وتبارك الله أحسن الخالقين . قالت: قد رضيت ثم أتى على وادٍ فسمع صوتًا منكرًا ووجد ريحًا منتنة فقال: ما هذا يا جبريل ؟ قال: هذا صوت جهنم تقول: رب آتيني بما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي وغساقي وعذابي وقد بعد قعري واشتد حري فآتيني بما وعدتني .
قال: لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب . قالت: قد رضيت فسار حتى أتى بيت المقدس - رواه الطبراني والبزار .
ولرحلة الاسراء والمعراج دلالات ومعانى وعبر نلخصها فى أولاهن عبارة عن سؤال طالما شغل العلماء وهو ما الحكمة في اختصاص كل واحد من الأنبياء بالسماء التي رآه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما الحكمة في اختصاص هؤلاء الأنبياء باللقاء دون غيرهم؟ وإن كان رأى الأنبياء أجمعين فما الحكمة في اختصاص هؤلاء بالذكر؟
والجواب على تأويل بعض العلماء ومنهم الإمامان السهيلي وأبو الخطاب بن دحية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في هذه الفترة بمكة، تناوشه قريش في دعوته وأصحابه. ومكة حرم الله وأمنه، وقطانها جيران الله لأن فيها بيته. فأول ما رأى من الأنبياء آدم الذي كان في أمن الله وجواره، فأخرجه عدوه إبليس منها، وهذه القصة تشبهها الحالة الأولى من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم حين أخرجه قومه من حرم الله وجوار بيته، فكربه ذلك وغمه، فأشبه حاله في هذا حال آدم.
أما الحكمة من كون آدم في السماء الدنيا فحتى يتمكن من رؤية الفريقين معا، لأن أرواح أهل الشقاء لا تلج في السماء ولا تفتح لهم أبوابها كما قال جل ذكره: "ِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ"[سورة الاَعراف، الآية: 40].
ثم رأى في السماء الثانية عيسى ويحيى وهما النبيان الممتحنان المضطهدان من قبل اليهود، أما عيسى فكذبوه وآذوه وهموا بقتله، فرفعه الله. أما يحيى فقتلوه . ورسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله إلى المدينة صار إلى حالة ثانية من الابتلاء والامتحان، وكانت محنته فيها باليهود شديدة، آذوه وظاهروا عليه، وهموا بإلقاء الصخرة عليه ليقتلوه، فنجاه الله كما نجا الله عيسى منهم، ثم سموه بالشاة، وهكذا فعلوا بالنبيين عيسى ويحيى...
وأما لقاؤه يوسف عليه السلام في السماء الثالثة فإنه إيذان بحالة ثالثة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومتقلبه تشبه حال يوسف (وهي مرحلة التمكين). وذلك أن هذا النبي ظفر بإخوته بعد ما أخرجوه من بين ظهرانيهم فصفح عنهم، وقال: "لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ"، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم أسر يوم بدر جماعة من أقاربه الذين أخرجوه فيهم عمه عباس وابن عمه عقيل... ثم ظهر عليهم بعد ذلك عام الفتح فجمعهم وقال: أقول لكم ما قال أخي يوسف: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ.
أما لقاؤه إدريس عليه السلام في السماء الرابعة وهو المقام الذي سماه مكانا عليا، وإدريس عليه السلام أول من أوتي الخط بالقلم، وأول من خاط الثياب ولبس المخيط، وأول من بنى المدائن والحصون. وكثير من علماء اللغة يقولون أن لفظ إدريس مشتق من الدراسة، قيل له ذلك لكثرة درسه كتب النبوة.. فلقاء هذا النبي مؤذن بحالة رابعة هي مرحلة العلم والتعلم، وذلك أن رسالات الله إنما تنتشر ويمكن لها في القلوب بنور العلم، ونور المعرفة .
ولم تقم حضارة الإسلام منذ أول يوم إلا على حركية القلم وبناء مجتمع المعرفة، حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب إلى جميع ملوك الأرض، ويراسل القاصي والداني، فمنهم من آمن كالنجاشي، ومنهم من هادنه وأهدى إليه كهرقل ومقوقس، ومنهم من استكبر وعصى .
وأما لقاؤه في السماء الخامسة لهارون عليه السلام المحبب في قومه، فمؤذن بحب قريش وجميع العرب للنبي صلى الله عليه وسلم بعد معاداتهم له .
ولقاؤه بموسى في السماء السادسة مؤذن بحالة تشبه حال موسى حين أمر بالتوجه إلى الشام فظهر على الجبابرة الذين كانوا فيها، وأدخل بني إسرائيل البلد الذي خرجوا منه بعد إهلاك عدوهم، وكذلك غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك من أرض الشام ودخل في الإسلام أهل الفرات والنيل والمغرب، وافتتح مكة ودخل أصحابه البلد الذي أخرجوا منه .
وأما لقاؤه إبراهيم في السماء السابعة، ولماذا تأخر ذكر إبراهيم إلى هذه المرتبة، فذلك لحكمة بالغة تتسق مع هذا التأويل وهي أن آخر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم حجه إلى البيت الحرام، وحج معه ذلك العام نحوا من سبعين ألفا من المسلمين، ورؤية إبراهيم عليه السلام عند أهل التعبير تؤذن بالحج، لأنه الداعي إليه والرافع لقواعده. وثمة تأويلات أخرى أرجو الله تعالى أن يفسح لنا في الأجل والتوفيق حتى نستوعبها ونجعلها مادة للتأمل والدراسة .
ع و

footer

div.mod-preview-info { display: none; }