البنوك و النظرة المستقبلية

كاتب التقرير :د. عبد القادر ورسمه غالب المنامه13-9-2012-سونا في الربع الأخير من القرن الماضي انبري العديد من المصرفيين لضرورة توسيع نشاطات البنوك و زيادة رساميلها و منحها كل السلطات و الصلاحيات للقيام بكافة العمليات المصرفية و الاستثمارية و التأمينية تحت سقف واحد. و في خضم هذا الانبراء تم عمل لوبيات كبيرة وسط رجال السياسة و التشريع خاصة و أن منح البنوك هذه الصلاحيات الواسعة بالضرورة يحتاج الي سياسات جديدة مقرونة بتشريعات جديدة. و بالفعل نجحت هذه التوجهات الجديدة و تم تعديل القوانين و التشريعات من أجل تمكين القطاع المصرفي من خلق كيانات مصرفية كبيرة و خلق ما يسمي "بالبنوك الشاملة" و تحقق هذا بعد إصدار قانون جرام ليتش بليلي لعام 1999 في أمريكا و الذي الغي بعض أحكام قانون جلاس ستيغال لعام 1933(تناولنا هذه القوانين في مقالاتنا السابقة). و ظهر النجاح التام لهذه النظرة الجديدة، و تطبيقا لأحكام قانون 1999، في تأسيس "سيتي جروب" كأكبر مجموعة مصرفية في أمريكا و العالم و ذلك بعد اندماج سيتي بنك مع ترافيليرز جروب. و تبع هذا حراك كبير أدي لقيام وحدات مصرفية عملاقة في أمريكا وأوربا و اليابان بعد اندماج البنوك مع شركات التأمين و شركات الاستثمار . و هكذا أصبح قيام المؤسسات المصرفية العملاقة ذات الأيادي العديدة أمرا واقعا وحقيقة قائمة بذاتها، و هكذا أصبحت النظرة الجديدة لمستقبل العمل المصرفي. كانت القوانين لا تسمح للبنوك البتة بمباشرة أعمال التأمين، سواء من قريب أو بعيد، أو القيام بعمليات الاستثمارات المالية لصالح العملاء أو الوساطة في أسواق المال أو تغطيتها بالضمان... و لكن تحقيقا للنظرة الجديدة في توسيع السلطات المصرفية، تم إلغاء هذه القوانين المقيدة و اللوائح المكبلة و انتهاج سياسة ال (دي ريقيوليشن) مما فتح الأبواب أمام البنوك الشرهة للاندفاع الكامل للعمل في كل الاتجاهات والجري خلف كل ما يري من خلاله أو خلفه الأرباح حتى و لو كانت قليلة و محفوفة المخاطر. و بدأت البنوك في ممارسة الأعمال المصرفية و أعمال التأمين و الاستثمارات المالية وصار العمل في كل الاتجاهات و فيما هو منظور أو غير منظور، و فيما هو مضمون أو غير مضمون، و فيما هو معروف أو غير معروف . و هكذا توسعت و تداخلت الأعمال المصرفية مما زاد من المسئوليات و تعدد النشاطات، و لكن لكل فعل رد فعل مماثل أو معاكس، و من خلف هذه النشاطات كان رد الفعل ارتفاع وتيرة المخاطر المصرفية و المخاطر التشغيلية و المخاطر القانونية. و هذا الوضع الخطير نتجت عنه مخاطر جمة و متعددة ليس للبنوك فقط و إنما أيضا للسلطات الإشرافية و الرقابية التي جابهت أوضاعا جديدة صعبة و غير مألوفة لديها من قبل. وفي بعض الحالات انفرط العقد و وقع المحظور و فشلت بعض المشروعات في تحقيق المردود و فشل بعض العملاء في الوفاء مما أدي إلي حدوث مشاكل التعثر القانونية و ظهور المنازعات و القضايا أمام المحاكم و هذا بدوره حتما يقود إلي صعوبات جمة و خسائر كبيرة تتبعها الانهيارات كما حدث بسبب النشاطات في الاستثمارات المالية و خسائر المشتقات والعقود المستقبلية ... و كرد فعل أيضا، و كنتيجة طبيعية، فشلت العديد من البنوك و سقطت المؤسسات المصرفية العملاقة و ما حدث من انهيارات و إفلاس و تصدع للكثير من البنوك العالمية و الأمريكية مثل بنك جي بي مورجان و ليمان برذورز و غيرهم ليس ببعيد عن البال خاصة و أن الآثار السلبية لكل ما حدث ما زالت قائمة و ملموسة، و هي حتى الآن تعض و تغرز أنيابها في الحركة الاقتصادية والاستثمارية في كل بقاع العالم، و سيستمر هذا الوضع النشاز إلي أوقات طويلة لا نري حدودها في الأفق القريب. ولهذا يتململ الآن الكثير من المصرفيين خوفا مما حدث و خوفا أكثر من المجهول أو مما قد يحدث في أي وقت و بدأ الكثير من المتملمين في البحث عن المخارج من هذه الورطة التي جعلت البنوك عملاقة لدرجة يصعب السيطرة عليها أو أن السيطرة عليها قد ينجم منها عواقب خطيرة. و لكن هؤلاء، و كرد فعل مباشر أيضا للانهيارات التي حدثت، يقولون لا بد من التدخل بكل السبل شاملة القطع و التقسيم و الكي بل و عمل الجراحة السريعة للبنوك العملاقة الديناصورية و العمل علي تجزئتها و تقزيمها قدر المستطاع و لدرجة تمكن من السيطرة عليها كلما كانت هناك ضرورة لمنع انهيارها وسقوطها حتى لا تتكرر المآسي ثانية. من سوء القدر و الأقدار أن من كانوا خلف قيام البنوك و المؤسسات المالية العملاقة هم الآن من يصرخ و ينادي بالعودة للماضي و هم من ينادي بتجزئة و تفريغ البنوك للعمل المصرفي التقليدي فقط و ترك ممارسة كل النشاطات الإضافية الأخرى من تأمين و استثمارات مالية وخلافه. هذا و كأنهم يقولون أعطي الخبز لخبازه و ليعود أهل الصناعة المصرفية لصنعتهم الأصلية التي يعلمون سراديبها و أزقتها و شعابها لأنهم أهلها و أصحابها. و هذه العودة للعمل المصرفي التقليدي بالضرورة ستقلص مساحة عمل البنوك العملاقة مما يقود في نظرهم إلي تجويد العمل وإتقانه و هذا بالطبع سيقلص مساحة المخاطر وما يأتي من خلفها من مصائب غير حميدة قد تقود إلي الخروج من العمل وإصدار شهادة الوفاة. و في جميع الأحوال فان البنوك العملاقة الشاملة ما زالت قائمة و موجودة بالرغم من مناداة البعض بالعودة إلي التقليدية عبر التجزئة و تقزيم العملقة لتحقيق مقولة "الصغير أجمل" و أن كل القوة في "الذرة" أصغر شيء و الأساس في كل شيء. من دون شك هناك ايجابيات و سلبيات بالنسبة للبنوك الشاملة أو البنوك التقليدية التخصصية. ولكن، حتى يتم الوصول للصيغة المثلي حول النوعية المصرفية الملائمة للبنوك في المستقبل المنظور، و في أي شكل من أشكالها، فلا بد من الحرص علي توفير التشريعات المصرفية الضرورية و الأيادي المتمرسة مع توفر الضمانات القانونية لتنفيذ وتطبيق القوانين بالكفاءة المطلوبة والامتثال لها ومراقبتها بالصورة المهنية السليمة . و لتكون نظرتنا للمستقبل أفضل و أكثر واقعية ممزوجة بالمهنية العالية، و في جميع الأحوال، من الحكمة الاستفادة من التجارب السابقة و مهما كان مردودها سلبا أو إيجابا.

footer

div.mod-preview-info { display: none; }